قالت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية إن (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي مهيأ لمواجهة الأزمات، فقد استولى على السلطة عبر انقلاب عسكري بعد عام من حكم جماعة "الإخوان المسلمين"، وقضى أكثر من عقد من الزمان في التعامل مع الانهيار الاقتصادي، والاضطرابات السياسية، والحروب التي تمتد عبر جميع الحدود التي تشترك فيها مصر تقريبًا.

 

وذكرت أن وعد السيسي الوحيد للمصريين هو أنه مهما أحاطت بهم الفوضى، سيبقى النظام في الداخل. لكنها رأت أن عملية "الغضب الملحمي"- الهجوم المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران - تختبر هذا الوعد الآن بطرق يصعب على السيسي التعامل معها.

 

إيران "أخطأت في حساباتها"

 

وفي خطاب ألقاه السيسي أمام القادة العسكريين في مطلع مارس الجاري، تحدث بتردد غير معتاد. وبعد أن صفّى حلقه وانتقى كلماته ببطء، أعلن أن إيران "أخطأت في حساباتها"، وأنه ما كان ينبغي لها مهاجمة الدول العربية "تحت أي ظرف". 

 

واعتبرت المجلة أن ذلك يمثل أداءً كاشفًا من "زعيم" يُقدّر استعراض القوة، فمصر تُحاصر على جبهات متعددة في آن واحد، ومخارجها تضيق. وأدت الحرب إلى تعطيل إمدادات الطاقة، وتجدد حالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر، ومنحت المعارضين المحليين ذريعة جاهزة للحشد.

 

وعقب اندلاع الحرب، أوقفت إسرائيل صادرات الغاز الطبيعي إلى مصر لأسباب أمنية. وتكرر هذا الإجراء لما حدث خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، حين أُغلقت حقول الغاز الإسرائيلية خشية استهدافها من قبل إيران. 

 

ويُشكّل الغاز الإسرائيلي ما بين 15% و20% من إجمالي استهلاك مصر، وما يصل إلى 60% من وارداتها. وفي أغسطس، وقّعت مصر اتفاقية بقيمة 35 مليار دولار مع شركة "نيوميد إنرجي" الإسرائيلية لمضاعفة إنتاج حقل "ليفياتان" ثلاث مرات، وهي صفقة مثّلت خطوة هامة نحو تحقيق استقرار الطاقة في مصر على المدى الطويل.

 

ولا يُعزى الاضطراب الحالي إلى فشل تلك الشراكة، بل إلى تدخّل حرب إقليمية فيها. ويعكس قرار إسرائيل بتعليق الصادرات مخاوف أمنية بشأن بنيتها التحتية، وليس انسحابًا من التزاماتها تجاه مصر، بحسب التقرير. ولا تزال الاتفاقية قائمة، ومن المتوقع أن تُعزز مكانة مصر في قطاع الطاقة بشكل كبير مع مرور الوقت.

 

الإحباط الشعبي

 

أما بالنسبة للقاهرة، فقد أشارت المجلة إلى أن عواقب حتى النقص المؤقت في الإمدادات سرعان ما تتحول من مشكلة فنية إلى مشكلة سياسية. فانقطاع التيار الكهربائي وارتفاع الأسعار في مصر لا يقتصران على إدارة البنية التحتية، بل يصبحان وقودًا للإحباط الشعبي وخطاب المعارضة في بلدٍ أنهكته سنوات من التضخم.

 

علاوة على ذلك، لفتت إلى الأزمة في البحر الأحمر، بعد أن تعهد الحوثيون بالتصعيد تضامنًا مع طهران. وإذا ما نفذوا تهديدهم، ستكون العواقب وخيمة على مصر وخارجة تمامًا عن سيطرتها. أما خسارة إيرادات قناة السويس فهي نتيجة قرارات شركات التأمين وشركات الخدمات اللوجستية ومشغلي السفن استجابةً للمخاطر المتوقعة.

 

خسائر قناة السويس 

 

ومنذ أن بدأت قوات الحوثيين استهداف الملاحة الدولية عام 2023، تُقدّر مصر خسائرها بأكثر من 9 مليارات دولار من عائدات قناة السويس. ففي السنة الأولى من الهجمات وحدها، انخفضت العائدات بنسبة 60% على الأقل، حيث تراجعت حركة الملاحة من حوالي 75 سفينة يوميًا إلى 32 سفينة فقط. 

 

وتُعدّ القناة - المصدر الأهم للدولارات في مصر- شريان حياة لحكومة تُعاني من ديون خارجية ضخمة، ونقص مزمن في العملات الأجنبية. وقالت المجلة إن كل صاروخ يُطلق قرب مضيق باب المندب، الواقع في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، كفيل برفع أقساط التأمين على السفن، وتغيير مساراتها، واستنزاف خزائن مصر.

 

وذكرت المجلة أنه حتى لو مارس الحوثيون ضبط النفس والتزموا الحياد، فإنّ الشعور بارتفاع مستوى المخاطر يُعيد تشكيل أنماط الشحن العالمية بطرق قد تستغرق شهورًا أو سنوات للتعافي منها. ولن تعود حركة الشحن إلى طبيعتها بسرعة حتى لو تحسّن الوضع الأمني. وبالتالي، فإنّ مصر ليست عرضة فقط للتدخل المباشر من الحوثيين، بل أيضًا لتداعيات التهديد نفسه.

 

وقالت إن تضافر هذه الضغوط الاقتصادية يُفسح المجال أمام معارضي السيسي، بمن فيهم الشبكات الإسلامية وجماعة "الإخوان المسلمين". وعلى الإنترنت، استغلت حملة مناهضة للسيسي انقطاع إمدادات الغاز والتقارب الدبلوماسي الواضح بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة، مُصوِّرةً كلا الأمرين كدليل على أن السيسي قد أخضع المصالح المصرية لقوى أجنبية.


https://foreignpolicy.com/2026/03/09/sisi-egypt-israel-iran-trump-natural-gas/